2018-05-02

استشراف مستقبل التعليم بالمملكة في ضوء رؤية 2030

 

إن مسألة فهم المستقبل وطبيعته أمر قديم قدم الإنسان ذاته، فهذا الشوق والتطلع للمستقبل لازم الإنسان عبر الدهور وتجسد لديه بأشكال وآمال مختلفة، وعبر التاريخ، ولقد حاول علماء ومفكرون استشراف المستقبل من خلال طرح بعض  الرؤى والتصورات المستقبلية المبنية على اعتبارات منطقية واستنتاجات تحليلية تولدت لديهم، نذكر منها على سبيل المثال، رؤية الجمهورية الفاضلة التي ذكرها أفلاطون في جمهوريته، والفارابي في مدينته الفاضلة.

ومالتوس في نظريته المتشائمة لمستقبل البشرية، وأبي بكر بن طفيل في رسالته حي بن يقظان، فخيال هؤلاء العلماء ورغبتهم في استشراف المستقبل ولد هذه الرؤى والتصورات المستقبلية التي جادت بها مخيلتهم (السليطي والصيداوي، 1417 هـ، 2).

وانطلاقًا من أهمية الدراسات المستقبلية في حياة  الشعوب، فلقد اهتمت المنظمات الدولية بهذه المسألة وأقامت من أجلها العديد من المنتديات واللقاءات الفكرية لبلورة رؤية واضحة للمستقبل وما ينبغي عمله من إجراءات؛ لمواجهته بكل تصوراته وتحدياته، ولعل اليونسكو من أهم المنظمات الدولية التي اهتمت بهذه المسألة، وأهم ما صدر عنها في هذا الشأن، تقرير كل من ادغار فور الموسوم بـ ” تعلم لتكون ” الصادر عام 1972، وتقرير جاك ديلور وزملاؤه الموسوم بـ ” التعلم: الكنز المكنون ” الذي صدر عام 1996.

جودة التعليم ونطوره مرآة صادقة للمجتمع:

   إن من شروط جودة التعليم في أي زمان ومكان أن يكون انعكاسًا لثقافة مجتمعه ومتغيرات عصره، فهو يصنع مستقبل مجتمع بصناعة أفراده؛ ليعيشوا العصر ويعايشوه، يتأثروا به ويؤثروا فيه، كل ذلك في إطار من قيمهم الثقافية؛ لذا فإن تعليم لا يعايش العصر ومتغيراته، هو تعليم فاشل لا يساعد أبنائه على العيش في هذا العصر؛ لأن وجهته الماضي لا الحاضر، وهذا العصر هو عصر علم، وتقنيات، وعصر اتصالات أرضية وفضائية وعقول إلكترونية، وعصر استشعار واتصال عن بُعْدٍ، وعصر تعلُّم وتدريب عن بعد (عبد الجواد، 1985، ص 68 – 69).

    إن قدر التعليم في أي مجتمع، يحتم عليه السعي بكل دقة وأمانة ومثابرة إلى تحقيق التوازن بين أصالة الماضي، ومتطلبات الحاضر ومتغيراته، واحتمالات المستقبل القريب والبعيد؛ لئلا يقع المجتمع في ماضوية مدقعة، أو تخرجه خارج التاريخ والتقدم الحضاري؛ لذا فإن هذه الموازنة السهلة الممتنعة لأطراف المعادلة، تستلزم من التعليم، إعادة النظر في الرؤى والفلسفات الموجهة لعمله وما يرتبط به من مضامين ومحتويات؛ لتتجاوب وتتناغم مع روح العصر وجوهره ومعطياته، وتطوير مناهجه وأنشطته، وبذلك يتم الجمع بين العطاء والإبداع، والتميز والإنتاج في عصر معولم تشتد فيه روح المنافسة القائمة على التكتل الاقتصادي واقتصاديات المعرفة والمعلوماتية.

فنظرة تاريخية فاحصة إلى المشهد التربوي في الدول النامية تبين أن كل الإصلاحات والتغيرات الجذرية المؤمل إصلاحها في صلب التعليم التقليدي، لم تثمر سوى تدابير وإجراءات طفيفة لم تلامس إطلاقا جوهر التعليم وعمقه، رغم أن السياسات الاجتماعية والعلمية والسياسية تفرض المراجعة الجذرية للنظام، لحاجة العصر إلى نموذج إنسان جديد (القباج، 2001، 31)، إنسان يستطيع أن يبدع ويتميز ويتعلم بحرية فائقة في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية الكبرى للعولمة.

    لقد حقق التعليم في المملكة العربية السعودية كثيراً من الإنجازات، ولكن تتطلب التحديات العالمية والاحتياجات المحلية العمل الإستراتيجي المنتظم لإكساب طلابنا وطالباتنا المعارف والمهارات والاتجاهات التي تؤهلهم للقرن الحادي والعشرين؛ من خلال رؤية وخطة إستراتيجية مستقبلية طموحة، هي رؤية 2030، وذلك بتبني مشروع تطوير شامل لتطوير التعليم، وذلك من خلال الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية المتقدمة بما يفي باحتياجات المملكة العربية السعودية المستقبلية إن الأولوية الإستراتيجية في خطة تطوير التعليم في المملكة العربية السعودية هي رفع مستوى تحصيل المتعلم من خلال التطوير المنتظم للمدارس وتمكينها ومساندتها من قبل جميع مستويات النظام التعليمي.

إن منهج استشراف المستقبل هو قائم على استقراء الماضي، وخصوصياته وفهم الحاضر ومعطياته من أجل التنبؤ بما يمكن أن تكون عليه المشاهد المستقبلية للظاهرة المدروسة، وتعتمد الدراسات الاستشرافية على مؤشرات كمية وكيفية ترتبط بالأوضاع السكانية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والثقافية ودراسة العلاقات بينها مما يمكن من بناء فرضيات وتنبؤات للمستقبل (نصار، 1997، 10)، وتمازج منهجية هذه الدراسة بين المقاربات الفنية والسياسة في محاولاتها للتنبؤ بالمستقبل، وتتضمن الأجزاء اللاحقة شروحات وتفصيلات موسعة حول منهجية استشراف العمل التربوي. (البصام، 1997، 237).

منهجية صناعة الرؤية المستقبلية:

دراسة المستقبل ليست مجرد رياضة عقلية بل هي علم عملي يهدف إلى تيسير عملية صناعة المستقبل، وتجسيد الآمال والأحلام، وتجنب المشكلات والمخاطر والكوارث التي تهدد المجتمعات، بل والإنسانية جمعاء، كما يهدف من جانب إلى مساعدة صانع القرار على تخطيط سياسات رشيدة وتنفيذها، كما تعمل على تحديد غايات تكافح الجماهير من أجل بلوغها، وبلورة آمال تعمل على الوصول إليها، وإن الهدف النهائي لمحاولة استشراف المستقبل هو التمكن من السيطرة عليه وصناعة مستقبل أفضل يعيش فيه الإنسان (نوفل، 1998، 182).

 تهتم الدراسات الاستشرافية بدراسة الأوضاع والتغييرات السكانية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التعليمية والثقافية بغية تحليلها من خلال مؤشرات كمية وكيفية متعارف عليها تسهل مسألة قياسها وتقويمها، الأمر الذي يمكن بالتالي من دراسة العلاقات المتبادلة بين هذه المتغيرات، مما يمكن من بناء وصياغة مجموعة فرضيات، وتنبؤات، ومشاهد وبدائل لملامح المستقبل في الميدان قيد الدرس، وتعنى دراسات المستقبل بالبحث في بدائله للأجل الطويل، مستهدفة خلق الوعي حول تحديات المستقبل وثمن الاختيار بين البدائل اجتماعيا، ولذلك لعبت دورا غاية في الأهمية، منذ بداية السبعينيات وحتى الآن، في تطوير الفكر النظري